الي كل من دمعت عيناه


دموع الرجال بركان ذل .. دموع الرجال طوفان غل .. دموع الرجال مريرة ... في عرفنا نار وعار ... في دمنا سيل انتحار ... جفف ينابيع الهوان وان كانت غزيرة .. ماذا تبقي للأرامل .. ماذا تبقي للسبايا وطفلة تحت الحصار ... بالله كن صامدا حتي تكون ... فتش في عيونك عن دموع لا تهون ... فتش في دروعك عن سيوف لا تخون ... انزع من بين البين ألف كاف . ألف نون .. ربما يوما تكون . أو لا يكون الانهيار .... أعرف . من حق الطفك أن يبكي ان لم يجد لعبة في الدار .. من حق القلب أن يدمي إن لم يجد محبوبة في الانتظار .. من حق السما أن تمطر ان اثقلت دون اختيار ... لكننا نحن الرجال . أقدارنا دمع الجبين والانتصار .. أقدارنا أنا رجال . لا ينتظر منا انكسار .. فادعوا معي . أن نعي . أنا رجال ... أن نمل الاحتضار .

مراد ماهر

سلك شايك


(1) مذكِّرات ما بعد الموت

ضحكة صاخبة حلّقت في سماء غرفة نوم أمي فاصطدمت بصراخ عنيف ينبعث من جهاز صغير عالق في حلقي يدخل الخدمة لتوّه، فتفتتت لى ابتسامات تلوّنت بخطوط متباينة على شفاه كل من اصطفّ تأهبًا لاستقبالي.

هكذا بدأت حكايتي معهم.

حكايتي معهم هي حياتي بينما حكايتهم معي جزء من حياتهم،قد نتبادل المساحات في بعض الأحداث، لكن بمجرَّد اختفاء أثرها تعود الحروف إلى استقامة السطور.

حتى الآن لم أعثر على سبب يقنعني بابتساماتهم. أمي أخبرتني أن أبي لم يكُن في استقبالي، كان مغتربًا يتفرغ في وضع أساسات لمستقبلي. تساءلت بشغف كيف كان ليستقبلني حال وجوده!

في صبيحة وصولي تجمّع غيرُ قليلٍ من العمالقة. يقتحمون عليّ محطة وصولي، ارتسمت على وجوههم ابتسامات تشبه سابقاتها لكنها كانت أكثر شرًّا.

وجدتهم يدسّون لفافات من ورق ملون ونطفًا من معدن أصفر بين ثنايا ملابسي.

لم أكُن فرِحًا، كما لم أشعر بحاجة إلى الصراخ، فكل ما حولي لا يعنيني كثيرًا، فقط يكفيني أن أمي لا تفارقني.

أعرف أنها تحتضن كل ذكريات حياتي في أعماقها. لم أكُن سعيدًا بحاضري ولم أحاول أن أحب الغرباء. لجأت في الأيام التالية إلى الهروب من نور يُولَد فيأتي معه الغرباء، فكنت أعمد إلى إغلاق مصراعَي عيوني حتى أتلصّص ذكريات العالَم الآخر.

توهَّموا أني أنام بالنهار.

ما زلت أذكر النشأة، شبابي، اتّضاح معالمي ونوعي وظهور الأعواد الصلبة تحت اللحم الأحمر. أذكر شيخوختي وتبدُّل حالي رأسًا على عقب، أتحسّر على حرّيتي التي صاغتها وحدتي، ما زلت أذكر جنازتي التي لم يشيّعها سواي ولم يشاركني فيها إلاّ آلام أمي وصرخاتها، فبرحتُ دنياي باكيًا على موتي أو حزينًا لانقضاء حياتي.

كيف لهم أن يبتسموا في مشهد كهذا؟!

وعلى الرغم من أني عُمّرت في حياتي الفانية ما يدنو من نصف مليون دقيقة إلا أنى شعرت في اليوم الرابع لوفاتي أني ما عدت أذكر الكثير عن حياة ما قبل الموت، فبدأت أُقِلُّ من إغماض عينَيّ، ووجدتني لا أطيق الابتعاد عن جدار فصلني عن العالَم الذي احتواني، فكنت أفتعل الصراخ حين تبعدني أمي عن صدرها.

كانت الفجوة بيني وبين سكان القبر واسعة وتتسع، لكني اقتنعت بواجبيّة حدّ الاتّساع، حتى إنّني عندما لمحت أصابع أمي الكبيرة تقبض على قلم وورقة وجدتني ابتسم فصاحت تخبر كل الغرباء أني اعرفها وأضحك لوجهها، فلم أشأ أن أُحبِط نشوتها فاكتفيت بالاقتضاب.

في اليوم الخامس فوجئت بأمي تقلّل التصاقي بها وتزيد من لحظات الفراق، فازدادت فترات صراخي، خُيّل إلى الغرباء أني بهجرها أجوع. اكتشفت أني لم أعُد أتذكر الكثير فشعرت بإحساس آخر للوحدة لم أعهده قبل الموت، يومها قرّرت أن أتعامل مع واقعي كحقيقة قد تستمرّ لملايين من دقائق قادمة.

استرحتُ دماغيًا بعض الشيء، فالغرباء قد تقلّصوا ولم يعُد هناك المزيد من الأوراق والمعادن توضع بين ثنايا كفني، ليلتها نمت كما لم أنَم منذ فارقت الحياة.

في اليوم التالي زارنا غريب يطمئنّ على حالي. كنت أشعر أني قابلته من قبل، بعد دقائق تنبّهت إلى أنه الحانوتي الذي امتدّت أصابعه لتقطع صلتي بحياتي وتُدخِلني أجواء القبور. كان يتحدث إليّ بلغة لا أفهمها، لكني كنت أفهم أمي، لا أعرف كيف، لكني أعرف أنه ليس بالضرورة أن تتحدث لغة من يخاطبك حتى تفهمه.

أحيانًا تلعب العيون دور مترجم صامت فقط حينما تتقارب الأرواح.

أخبرتني عيون أمّي أن أبي سيحلّ غدًا لرؤيتي، فعدت أتساءل:

"كيف حاله حين استقبالي؟"

نمت ليلتها دون التفكير أو حتى محاولة تذكُّر أي شيء عن حياتي الفانية. فقط أترقّب لقاء الغد، نِمت دون التمهيد اليومي الصارخ.

اليوم السابع،

استيقظت على حركات غير عاديّة ساعات وصرت محاطًا بعشرات من عمالقة الغرباء وأكثر من صغارهم. ضجيج وغناء، مِلْح، دَقّ، أكل... وتعملقت الابتسامات مبتكِرةً

ضحكات تزيّف ما تخفيه

ضحكاتهم اصطدمت بوقع أقدام الرجل الوافد، وساد الصمت...

لمحت ماهيته من فرحة أمي ولهفتها، صرخت تمامًا كلحظة وفاتي حتى أَهَبَهُ حقَّه في أن يستقبلني، فلمحت بريقًا في عينيه ودمعة تقترب من شفتيه، وفاجأني...

ابتسم إليّ في وجه أمي، وقبّلني على خدّها، فحجبت صراخي.

هم كل حياتي وأنا جزء من حياتهم...

مراد ماهر

مقتطف من .."سلك شايك"

كذبة بيضاء



سـأكتب .
كنت قد عزمت منذ وقت غير قليل علي الاقلاع عن هذا الأمر واعتزاله برمته .
كنت قد توصلت الي نتيجة هامة علي الأقل بالنسبة لي , مفادها أنه يمكنني احتمال الحياة بمعاييرها اللاآدمية , لكن لا يمكنني احتمال نيران تدّعي أنها جنان .
هربت من الاقلام , حتي أني لم أحمل في يدي واحدا طيلة ما مضي .
لم أقرب كتابا .
اعتزلت حاسوبي الخاص حتي لا أحتال علي الأمر .
ههههههههههههههه .
أسمع ضحكاتكم ..
عين أحدكم تصفعني بالعامية الواعية :
( طيب ما تبطل كتابة , يعني كنت حتجيب الديب من ديله يا خيّ ) .
تمهلوا ... ظننتكم قد اعتدتم احتمال شطط دماغ صديق يسعي وراء الجنون أو علي أقل تقدير يتمناه .
ما جعلني أعدل ولو مؤقتا عن موقفي أو قراري أني مررت بشأن جلل .
لم أجد بُدا من الافصاح عنه , وبطبيعة الحال فاني لا أستطيع البوح بطريقة أمثل من خط الكلمات .
فالكلمات عشقي والحروف متاهتي , والأفكار تفاصيل شرودي , والتأمل مداعبات تتواصل مع الطفل المختبئ بحدسي .
انها المتعة التي وهبها الله لعبده القليل حتي يخفف عنه عبئ العيش مع البشر.
أعود لأذكر حضراتكم , اني مررت بشأن جلل .
اني رأيت الموت ..........
نعم رأيته مارا من الجانب الشمالي الشرقي لغروب شمس الأمس .
لا ... لم يكن بشرا ,
... ولم يكن عفريتا ,
عفوا ؟
بالطبع رأيت العفاريت في حكايات ألف ليلة وليلة , لو كان عفريتا لعفرت ... أأسف .. أقصد .. لعرفت .
لا تسئلوني كيف كان ؟
قد كان كما كان , المهم أني ميزته وأدركت هويته .
لست أدري كيف ميزته , لم يكن مكتوبا علي خطوه حروف سوداء .
لكني لمحت في عينيه بريق انتصار خرافي علي الحزن .
لم أشهد نظرة شبيهة لنظرته من قبل .
لمحت علي الدروب ما بين عينيه وأفق وجهه آثار دموع ليست كدموعنا , آثارا قهرت أسباب الحزن فبات مقامها أشبه بالعرس البهيج .
لمحت غيابا للزمن علي تجاعيد وجهه .
وأيقنت عندما لمحني أن الأوان ربما قد حان .
وصرخت فيه بملئ الرعب :
يا موت ... مازالت قارورة حبري بكرا .
يا موت ... مازلت أحلم بالخلود علي السطور .
التفت عني قليلا حتي أختبئ .
حتي أحترف الحياة .
حتي أبحث عن حروف عبارة معزولة تجمع في قوامها سر الوجود وحكمة الفناء , حتي لو اضطررت لكتابتها بحبر الخفاء المؤجل لمستقبل التاريخ.
يا موت ... مازلت أبحث عن وجودي , أعكف علي ابداع لحن جديد لصراخ البعث .
مازالت رسالتي في جعبتي .
أمهلني حتي أودعها شرايين الكتب وعقل الادراك وذاكرة التاريخ .
أمهلني حتي أزرع حديقة بجوار ورقي , وأزين أزقة ما بين السطور .
يا موت ... لا تخبر أمي ان قبضتني .
بالله أرجع اختفائي أني كعادتي أهيم علي صعلكتي في بلاد بعيدة .
أخبرها اني ارتحلت بحثا عن جنون لا يشبه جنون المجانين , وعن عبقرية ليست تتودد الي الذكاء , وعن أسطورة أكون بطلها بعد مئات السنين .
أخبرها أني لست موهوما ولست كاذبا ولست عاقا ولست جاحدا .
بالله أخبرها أني قد تزوجت حتي تطمئن وتستريح .
قل لها أيضا أني قد أنجبت طفلا , وسيما , رقيقا , حنونا , لعينيه بريق عيون جدته وطيبتها .
وقل لها أني أسميته عمر .
لا تقلق , ستصدقك ... انها تعرف أني أحب بن عبدالعزيز .
أخبرها اني تلقيته من رحم أمه قطعة لحم تشكلت من فورها , وشممت علي بدنه عطر الجنة ولمحت بداخل عينيه ثمارها .
طمأنها أني لقنته الشهادتين وأذنت في أذنه , ثم همست فيه بملئ الحب " كن حرا " .
يا موت لو سألتك أمي عن وليدي , قل لها تجديه في صورتي رضيعا .
يا موت , لا تنزعج ...
.............. انها كذبة بيضاء ............ .
يا موت ... تريث قليلا , أمهلني حتي أنهي علي مسمعك وصيتي , فليس أمامي الآن سواك .
يا موت لو قابلت وطني بعد رحيلي , أخبره أني لم أكرهه وأخبره أني لم أحبه وأخبره أن يختصم منك لأنك لم تمهلني حتي أتم رسالتي نحوه .
أخبره أني أردت له الخير وأراد لنفسه الخراب ...
قل له اني قد رحلت غير آسفا عليه , ربما لتيقني أنه غير آسف علي رحيل أحد .
انصحه علي لساني بأن يحتاط ممن يمجدون تأقزمه , هم لا يمجدون سوي بقائهم , لأنهم لن يكونوا حقيقيون ان اعتدل نصاب الأمر .
لا تنزعج , وطني كسيح مريض عقيم , لن يؤذيك علي أي حال .
يا موت , هل يأتي يوم تقبض فيه الأوطان ؟
أم أن الأوطان لا تملك أرواحا ولا مشاعر حتي تستحق الفناء .
لكن .. تمهل ... لن أكمل عليك وصيتي .
يا موت ... قررت من زمن أن أسألك حين ألقاك ..
هل كنت موجودا عند ولادتي ؟
أعني هل لك علاقة بالأمر ؟
كيف كانت صرختي ؟
هل كانت تشبه كل الصرخات , أم كانت لي بصمتي عليها ؟
حدثني عني قبل الموت الأول .
أخبرني عن طباعي في العدم .
حدثني عن الأبدية ,
هيئني لفراق الجسد .
هل سأعرفني بعد الموت ؟
هل سأقابل حبيبتي هناك يوما ؟
أم أن الأمور تتبدل , فلا عدو ولا حبيب ؟
هل أدباء ما بعد الموت يختلفون عن غيرهم ؟
هل يتناحرون كعادتهم ويمكرون كعادتتهم ويتسلقون ويكذبون ويسرقون كعادتهم ؟
يا موت أخبرني .
من حقي أن أحدد ملامح الروح قبل الوداع , وملامحها مع اللاحياة , ومع اللاموت .
الموت يبتسم متجاهلا ...
يلتفت عني لامباليا .
أراه يقترب من امرأة تحتضن صغيرها علي قارعة الخيال .
أهتف فيه مستوقفا ..
لا ... لا ... لا تقبضها , يا موت ارحم صغيرها , ليس له سواها .
والموت يلتفت لي مرة أخري دون تغير في تجاعيد ملمحه المزاجي .
لحظة أو لحظتين من عمر العمر , أسمع بعدها صراخ الأم حزنا وشفقة علي وليدها .
يا موت ... يا موت .... ماذا دهاك ؟
أتقبض روح الصغير ؟
ارفق بأمه , ارفق بعمر لم يري عمرا .
مشهد الأم مروعا الي حد الفزع .
أكتشف ساعتها أن جنازات الناس عرس الموت وفخاره .
أنه يسير في الجنازات بين الناس ليس معزيا بل كعجوز يتاجر في سوق الترقب والانتظار .
يتاجر بلا ربحية في أرواح البشر .
الموت لا يبتسم ولا يحزن , لكنه دائما جاد الي حد الصخب الساكن .
صحت بملئ الحزن :
يا موت ...
بالله أخبر أمي أني لن أموت ..
...................... انها كذبة بيضاء ..............

خطبة الجمعة


ماذا دهاكم يا بشر ؟
أوكلما جاءكم هدهد من السماء بيقين عن أنفسكم أشهرتم علي رسالته نبالكم ؟
هل جننتم حتي توافقون علي العيش بلا حلم يحتوي أيامكم ,
من دون أمل ينساب مع دموعكم أويتلألأ مع استعراض قاطني أفواهكم .
ماذا دهاكم يا بشر ؟؟؟؟؟
هل اثاقلتم الي الحد الذي أغضب الرب فأنزل علي رؤسكم جمر السماء ؟
من دفعكم للاعتقاد بأن الجمر قدري حتمي ليس علي اتصال بغفوتكم وانصرافكم عن الزود عن فعل الحياة الكريمة ؟
بأن سقوط طير الأبابيل مرهون بزحف الأفيال .
مع أي صنف من صنوف الهوان تعاقدتم حتي تقنعوا رؤسكم بأن الوفاء بالعهود يقتصر علي عقدكم البغيض ؟
ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ؟
من هانت عليهم عزتهم فهانوا علي ألسنة السماء فباتت لا تذكرهم ولا تتذكر وجودهم .
الذين قالوا اذهب أنت وربك فقاتلا ..
الرب لا ينتصر الا لمن نصره فاستحق عونه .
هل تخيلتم أن ينزل الله عليكم مائدة من السماء لتطعم ضعفكم وانسياقكم وراء صمتكم المهين؟
ألم تستطيعوا مع البحث عن العدل صبرا حتي تقتفوا أثره فتنقذوه من غيابة جبكم | جبنكم السحيق ؟
ألم تسمعوا يوما من بينكم مناديا ينادي فيكم بأن الحياة ليست تستحق الحياة ان افتقدت براحا للأمل والأمان وكفاف العزة ؟
ماذا دهاكم يا بشر ؟
ألم يأن لعيونكم أن تشخص قليلا الي السماء باحثة عن معني السمو أو العلو أو النجاة ؟
أن تتسلق تضاريس الجبال لعلها تبصر أقزمة الطغاة وضعفهم .
أن تجلس في حضرة النور وتختلي حينا بنداءات السحب .
أحسبتم أن عقولكم حبلي بالخلاص فرضيتم بفعل الانتظار حتي مخاض حمله وفطامه دهر يمتد ؟
ألم تروا كيف تزهوا الطيور فوق رؤسكم , لا فخرا بالعلو ولكن لامتلاكها براحا في فضاءات الاختيار ؟
أليس من بينكم رجل رشيد ؟
ماذا دهاكم يا بشر ؟
مهلا ...
اني وان اعتليت منبركم فاني مثلكم ..
أصطنع من الجبن درعا للاحتماء من الوجود , ومن الخوف سيفا أبارز به حلم الحرية .
اني وان أمنتم ورائي مثلكم ...
ضعيف هان علي نفسه , فصار ضعفه أهون من بيوت العنكبوت .
كريم مع الفقر , شحيح مع الغني , مؤمن مع الفقد , مذبذب مع الابتلاء , لاه مع الرغد .
أيها الناس .........
اذكركم ونفسي ببذور نبات الأرض ..
تتملل في أكفان التراب , تنادي أبواب الفضاء طالبة فيض النبض والنماء ,
تجاهد في الوجود لأجل الوجود فيسمع السحاب صراخها همسا , يجيبها بالمطر ولو بعد حين .
فنبصر الوجود شامخا واصلا بين خضرة وليدة من أرضنا ودموع فرحة السماء بميلاد رمز لأمل الحرية .
نعم , أسميناه الغيث .
أيها الناس ألا تطلبون الغيث ؟

أيها الناس ......
أذكركم ونفسي بلحظة القرب من لقاء الرب .
ألن يسئلكم ربكم عن عمركم فيما أفنيتموه ؟
هل ستجيبوا الرب بأنكم وأدتم أعماركم سعيا وراء الرزق متشبثين بحبو الخوف ملتزمين جوار الجدر ؟
ألا لعنة الله علي الخوف , ألا لعنة الله علي الجدر ؟ ألا لعنة الله علي من تلذذ بالقهر وارتضي بالعيش الذليل .
أذكركم ونفسي بلحظة الموت .
تصطدم أنفاسنا بغتة بحقيقة ليست كحقائقنا فلا تقوي علي استيعابها فتتوه فيها ولا ترتد الي أحشائنا .
الموت ابحار فيما نخاف كي لا نخاف .
أيها الناس ....
هل تأبد فينا العجز , فترنحت عقولنا , وقست قلوبنا فباتت كالحجارة أو أشد ؟
كيف سيرفع الرب ما حاق بنا ونحن لا نرغب في السعي في تطهير ما بأنفسنا ؟
كونوا عباد الله أحرارا , كونوا عباد الله شجعانا , لا تكونوا ممن نسوا الرب فأنساهم أنفسهم .
لن ينزل الرب ملائكة من السماء لترفع الظلم عن قوم يرتضون الذل ويتناسوه حتي تعملق بينهم فصار جوعا وفقرا ومرضا وجهلا وتنكيلا ومهانة .
أيها الناس .....
أذكركم ونفسي
بنملة سليمان الحكيم .... لا تكونوا نملا .
بمن تقاعسوا عن نصرة الدين ... لا تكونوا مع القاعدين .
بمن ظنوا أنهم يحسنون صنعا .... لا تكونوا ممن ضل سعيهم .
بمن هادنوا فرعون وساروا وراءه .... لا تكونوا مع الغارقين .
أذكركم ونفسي
بالحب ..
حب الرب , والرسول , والدين , والحق , والعدل , والوطن , والكرامة , والحرية .
حب النور , وحب الحياة .
أوصيكم ونفسي بما تبقي لنا من حياة , دعونا نرويها عللها تنبت لنا بقيتها .
ارفعوا معي أكف الضراعة الي عنان الجباه , طالبين من الرب ألا يؤاخذنا بما فعله السفهاء منا .
أن يعاملنا برحمته لا بعدله , أن يبدلنا عقولا غير عقولنا عللها تعقل , وجباها غير جباهنا عللها تعادي فعل النكوص فينا .
أيها الناس صلاتنا في شموخنا قبل ركوعنا وسجودنا .
اللهم اني قد بلغت .... اللهم فاشهد .
أقم الصلاة

مراد ماهر

رسالة الي عقلة الأصبع



أبدأ رسالتي بالتحية ....


ولست أعرف هل أناديكي بفتاتي , أم حبيتي , أم بسيدتي , أم صغيرتي , أم بزميلتي , أم معلمتي ؟
دعيني أبدأ الخطاب بشئ مغاير ...

يا فاتنة الخيال ........
صباح الخير ....

هل تدركين لماذا أحييكي بتحية الصباح ؟
نعم , لأننا اعتدنا صغارا أن نلتقي مع نسمات النهار الرضيع ,
اعتدت أن أجالسك علي مقعد الدرس في صبح الشتاء مختبئا من برده هامسا بالنفخ في تجمد أصابعي كي تلتحف بجيوب المريلة .
مستمتعا بدخان غريب يخرج مع زفيري وعند الكلام .
كنا نظنه عطر السحاب , كنا نظنه أنفاسك بداخلنا , كنا نحتاج اليه حتي نشعر أننا أطفال .

يا فاتنة الخيال ...

كيف أنت الآن ؟, كيف صار وجهك ؟ , حجمك ؟ , صبحك ؟
هل مازلت هناك .. تختبئين وراء الأقلام ؟
تعبثين بعقولنا حتي نتوهم أننا عمالقة في زمن كنا نوقن فيه بأن العملاق الأوحد هو من يستطيع الوصول بأصابعه الي ناقوس انتهاء الدرس ؟
ماذا فعلت بك الأيام ؟
هل صرتِ الآن طبيبة بين الأقزام ؟
أم أصبحت معلمة تمسك لتلاميذها عصا العلام .
أتمني ألا تكوني الآن من بين عسكركم , فحتما سأكره امتهانك للسواد .
أتمناك اليوم أما أنجبت في بيتها عشرات من صغار فاتني الخيال .
علي كل حال ... أعرف يقينا أنك ستدهشين لرسالتي , وربما .. ربما لن تتذكريني تحديدا .
ولكني أعتقد أن حروف اسمي وملامح وجهي لن يكونا فارقين الي حد بعيد , فأنا أعلم جيدا أنك تألفين لآلاف الآلاف من مثلي .
ولست أعرف من أين أتاني يقين بانك سعيدة الآن وأنت تقرأين رسالتي ,
وبأنك سوف تلقين علي فراغ ما بين سطوري أسئلة متلاحقة متسارعة عن تحديد هويتي وفي أي مقعد كانت تجلس حقيبتي ,
وهل كنت من التلاميذ الماهرين أم كنت من البلداء الذين كانوا يتجاهلونك فور العودة لمنازلهم بعد انتهاء الدرس وربما أيضا خلال الدرس .
سوف أخبرك كي لا تحارين كثيرا .

أنا هو ....

نعم ... النبي الصغير .. الذي عرفتِ معه ذات ليله بأن زمانه بلا أنبياء فحزنت معه .

أنا هو ....

ذلك التلميذ البدين الذي كان يقف كل صباح شامخا مزهوا أمام مكبر الصوت ليقدم الاذاعة المدرسية ويحيي العلم .
من كان يدعوا الله كل صباح بألا تمطر السماء حتي لا تغرق ساحة الطابور فيلغي ناظر المدرسة طابور الصبح بما فيه من اذاعة وتحية .
لم يكن ليقبل أن يعدوا علي عمره صبح محروم من مصافحة الوطن .
نعم ...

أنا هو ...
ذلك الذي كنت ترافقيه كل يوم بعد انتهاء الدرس الي منزله , يواريكي في حقيبته الصغيرة .
واذا تصادف وفضت أمه ما بالحقيبة لتري ما اذا كان قد التهم كل طعامه , خبئك هناك , في صفحة أو أكثر من صفحات كتاب المطالعة .
فأمه لم تكن لتفتش عن الطعام داخل الصفحات .
أظنك قد عرفتيني الآن .......... ولو قليلا ...
حتي ولو لم تسعفك ذاكرتك الصغيرة قياسا بحجم الدهر , فاني أري أن الولوج مباشرة في فحوي الرسالة والذي هو سبب ارسالها أجدي بكثير من العبث مع التذكر والذاكرة
.
أولأ :

أردت أن أنقل لك امتناني وتقديري وعرفاني بجميل صنعك في تكوين خيالي .
أردت أن أثبت لنفسي حتي بعد مرور كل هذا الردح من الفراق أني أصيل لا أنكر فضل متفضل ولا أثر أو تأثير مؤثر علي مجريات أيامي وتكوين الاطار الراهن الذي يسعفني في ملاحقة أحداثها .
قد كنت لي أكثر من مجرد فكرة , أجدي من مجرد صديقة , أكثر قيمة من مجرد معلمه .
حملتك في عيني لسنوات , توجهين خطاي الي حيث العوالم التي لا يطرقها البشر .
بدأتِ معي مثلما بدأتِ مع من هم في مثل سني ,
بالمروج وبالشوارع والسهول وبالسحاب وممالك العسل وبالكتاب وبالورود .
بعدها دفعتيني دفعا لأن أتأقزم حينا حتي أنتبه لما لا ينتبه له الصغار في اعتيادية جماجمهم ,
لأن أتعملق حينا لأستوعب تماما أن أحجامنا نسبية في لقاء محيطنا ,وأن القزم ليس قزما علي اطلاقه , وأن العملاق كذلك .
أن في دنيانا جحورا أكثر براحا من فضاءات البعض , و بأيامنا سماوات أضيق بكثير من سَم الخياط .
دفعتيني لأن أنظرني بعيدا عن تقاليد عيون الناس ...
أن أراني ملكا علي من يستعمر الصولجان , وعبدا ذليلا لمن وهب الحياة سرها وللانسان عقل ببراحٍ لا تحتويه الدنا .
صرت أنظر للأشياء بمجهر لست أدري كيف امتلكته مقلتاي ,والي أخري بعدسات تُعملِق من
كنتِ لي سببا في رفضي التسليم دائما بالفكر الواحد , وبالنظرة الواحدة , وبأي مما يظنه الناس ثوابت .
ليس في دنيانا ثوابت , وليس علي سطحها أو في سمائها أو من أسفل أرضها شيئًا أو كائنا أو ظاهرة أو ملمحا نستطيع أن ندركه يقينا بمحمل وحيد , تستوعبه حفنة من الكلمات زادت في عددها أو اقتصدت .

ثانيا :.

أردت أن أخبرك بتفاصيل درس تعلمته من ذكراك بعد سنوات من فراقك .
لقد تعلمت يقينا أن الخيال اللامنطقي هو أقرب الحلول الي الواقع .
لقد علمتينا صغارا أن وطنك في حجم مدي ابصارك أو تأثيرك ,
لم تحتاجي لبحر أو لنهر أو تلال من رمال , لم تبحثي عن معدن أو زيت حتي تنتمي لبقعة .
كانت عقولنا وطنك , وبسمتنا ثروتك , وجنوح خيالنا مع نزواتك هدف وحياة .
ربما كنت من دون قصد تدركين ماهية الوطن , ولكنا لم نتعلمه منك حينها , لأننا وببساطة لم نكن ندرك أن معني الكلمة من الممكن أن يتعدي حدود التحية والنشيد أمام الراية , بل من الممكن التخلي عنهما من الأساس لقاء العثور علي المعني الكامن في سراديب الجوهر.
ربما رسالتي الآن تحديدا ليست لشكرك بشأن ما سبق بقدر ما تحمل أسئلة مباشرة لا تحتمل تأجيل أو اعتذار عن الاجتهاد في الرد عليها.
كيف كنا ؟
مهلا ... أعني كيف كنا في عينيكِ .
عمالقة ؟
أم كنا نتاجا لأقزمة الفكر والأسس وسبل العيش ؟
هل كنتِ تخافينا ؟ , هل كنا نُفزع أحلامك فنحول شَعرها الي جنوح الكوابيس الغير ممشطه ؟
هل آذيناك بمحدودية فهمنا للتباين ؟
هل كنتِ تعرفين يقينا قدر الفراق ؟
هل أنت مصرية ؟
عربية ؟
انسية ؟
جنية ؟
هل أنت واقع ؟
خيال ؟
هل وعدك أحدهم قبلا بصنف من صنوف الخلود .
أين أنت ؟ نعم ... أين أنت ؟
هل تسلمتِ خطابي بالفعل أم أني أهيم وراء سراب و أفتعل الواقعية علي جدران الجنون ؟
سأنتظرك ...
ربما تصطحبين مع طلتك نسمات صبح بريئ , وأمل في قامة وشموخ المستقبل عند من ورثوا ذهب التاريخ وأطيانه ,
ربما تصطحبين مع امتداد براح الرؤية والأثر وجه في جمال الوطن أو وطن في وسامة وجه الجمال .
سأنتظر خطابا منك مذيلا بتوقيع لا أفهمه ... حتي أتيقن أني مازلت مجنونا .

تحياتي وتقديري ....



مراد ماهر

لا شعرا ولا نثرا




تململ التراب فصار ريحا

هتف فصار إعصارا

دمع فصار وحلا

لعب فصار منتعلا

ضحك فصار خضارا

اغتصب فصار كرامة

انتفض فصار دما

افترش نافذة الوطن فصار فسادا

اخترق عيون الناس فصار غشاوة

تآمر علي صفحة النهر فصار عكارة

باغتته سقطة الأمطار فصار مكبلا

انتعل قمم الجبال فصار حاكما

وطأته أقدام السفهاء فصار حقيرا

تلمسته أنامل العلماء فصار كنزا

تثاءب في وجه المدعين فصار حفرة

بصق في وجه الظلم فصار حرا

بقرته تراتيل الغيب فصار قبرا

نطق باسم الرب فصار بشرا


مراد ماهر

في وصف الجمال



أحيانا يصادفنا في الحياة شخوص لا هم وهم ولا هم حقيقة ,أطياف تجود بهم السماء فتمطرها رغم انتصاف الشمس لصفحة النقاء , فتستقر تماما علي أعتاب محيطنا .

أحيانا نراها وأحيانا يخفيها عنا الحاقدون أعداء الشمس والسماء , وأحيانا أخري نراها بعد أن تيأس السماء فتبتلع الشمس وتندب القمر لينير غفلتنا .

رغما عن كل شئ , ورغما عن حتمية الفقد والفراق يبقي الجمال كامنا في ذاكرتنا يتحين بزوغ شمس جديدة في أحضان صفحة جديدة لصبح جديد , شمس تحمل من الجرأة ما يدفعها ويعينها علي اعادة الروح لمكمن الجمال فينا .

والجمال في دنيانا منحة من الرب , ولأن الجمال لم يغنم يوما صفة الخلود , فصار في أيامنا وقتيا مرهونا بقدرتنا علي استيعابه .

شئ ما يفزعني ويخيفني ,,,
الجمال علي الأرض لا يبقى جميلا دائما , لأنه وببساطة لا يمتلك مقومات الكمال ,
الكمال للرب , والجمال هبة الرب علي الأرض , وخلود الصفات مرهون بالكمال , فتنحي الجمال طائعا ليختلف في عيون ناظريه ,
فليست كل العيون بمقدورها تقدير الجمال أو حتي رؤيته .
فصار ما صار حلا عبقريا حتي لا يتحول الجمال يوما الي قبح , فقط يختلف في عيون الناس .

جدتي كانت ترد علي أي انسان يثني علي شئ لها بان عيونه هي الجميلة لا شيئها .
فعرفت أن الجمال علي الأرض ليس الا خلقا نصوغه في دخائلنا .

والشخوص في حياتنا كثمرة الرمان , ليست كلها تستاغ , ولكن لكثرة حباتها فنحن نتعامل معها كوحدة واحدة ,
والثمرة ان كانت في ظاهرها رائعة ,فقد نتهيأ تماما وبلا تفكير في قبول ما حوت .

والشخوص في حياتنا كعلبة الألوان ربما لا نستطيع تقبل كل ألوانها في كل وقت وربما انحزنا للون دون آخر , لكنا لا نستطيع أن نلقي بواحد منهم أو اثنين بعيدا عن تناول أيادينا الي الأبد .
سنشعر حتما بالقصور , بالعجز أحيانا , بالحنين حتي الي الشر او القبح او الطعم الردئ .

ومع كل اكتساب أو فقد يتجدد بداخلي سؤال بحجم الأمل وفي قامة الندم ,
هل بتتابع الوجوه داخل اطار انتباهي أكتسب التجربة ؟ الفرحة أحيانا ؟ الحزن بعض الوقت ؟, هل بتتابع اللقاء والفراق تتشكل أحشاء الحياة ؟.
ربما , لكن تبقي دائما حقيقة تهدد كيان الجمال وتدعم مبدأ الانتقاص فيه ,
لا جمال يدوم ولا حبيب يبقي حبيبا ولا رفيق يستمر علي الدرب رفيقا , دائما يبرز الشر .
ومن ينجو بجميله أو بجماله من الشر وجنده يصطدم حتما بالموت .
فيموت الجمال أحيانا ليفسح قطعا من الحياة لجمال جديد يهوى مع ناظريه فعل الكمال فيه الي أن يصطدم بقدر سابقه .

مهلا ؛
سأكف عن المراوغة والتنزه بالكلمات ,
وسأطلق ذلك التساؤل الذي سمعته صغيرا من معلمتي والتي كانت لي حينها في قامة عظماء الدنيا وحاملة لغزارة علمها .
قالت لصفنا يوما بينما هي عاكفة علي قطف أعواد نبات الملوخيه :
" هوه امتي نقدر نقول علي أي حاجه انها جميله ؟ " ,
للتأريخ ؛؛؛
كانت لحظتها تنظر لأعواد الملوخيه المنتقاه بمزيج من الامتنان والحب .

زملاء الصف كالعاده لا يلتفتون اليها الا اذا كانت تحمل عصاها ,
الآن الكل يعلم أنها منهمكة في تجهيز الغذاء لزوجها , بينما بعثت بفرقة انتحاريه مؤلفة من خمسة من بنات الصف لتنظيف منزلها لحين انتهاء مواعيد الدراسة .
قليلون ممن يهتمون فعليا بالعلام فتحوا خلسة كتاب القراءة ليجدوا اجابة فلم يهتدوا , فانتقلوا لكتاب الأنشطه فلم يهتدوا فلجأوا لكتاب الدين فلم يعثروا علي سؤال شبيه ولا اجابة تحمل كلمة من بنية السؤال وكيانه ,
المضحك أنهم انتقلوا يائسين لكتاب الحساب بحثا عن اجابة لسؤال لم يتعلموا حروفه من قبل .
لكني تنبهت الي أن معلمتي الجليلة لم تكن بالفعل تنتظر اجابة أحدنا ,
معلمتنا من الأساس كانت تخاطب أعواد الملوخية في محاولة لتحديد مدي قدرتها علي انتقاء الجيد من ثمارها .

لكني كما تعرفون ولست أظنكم تعرفون , لا أهادن في العلم , ولا أتواطؤ متغاضيا عن استنباط الجديد .
رفعت بقلمي فوق رأسي طالبا الإذن بالحديث ؛؛؛
معلمتي لم تنتبه ؛ مازالت غارقة في لقائها بوريقاتها الخضراء ؛
فوقفت مخاطبا من صنفتهم وثائق الميلاد في سن عقلي ؛
" الجمال ؛ في قوالب السكر " ؛
وعندما اصطدمت لحظتها بعصا عقاب معلمتي عرفت أن الجمال ضد العصا ؛
وحينما عاقبتني أمي يوما بتجويعي عرفت أن الجمال عكس الجوع ؛
رسبت في الثانويه فعرفت أن الجمال خلاف الفشل ؛
هجرتني فتاتي في الجامعه فعرفت أن الجمال ليس يعني الفراق ؛
ماتت جدتي ففطنت أن الجمال لا يضيع مع الفقد ؛
صفعني شرطي علي مؤخرة رأسي فأدركت أن الجمال ليس يحب الظلم ؛
رصدت عجوزا تحتضر من قسوة برد ليل شتاء جائع فشعرت أن الجمال لا يعرف الفقر ؛
وعندما دققت النظر في وجه أمي تشبثت بملامح الجمال ؛
و لمحت دموعها يوم زفاف أختي فأيقنت أن الجمال يعشق الدموع ؛
أبصرت ضحكتها في وجه حفيدها الأول فتنبهت أنه أيضا يعشق الضحك؛
اختلست النظر لأفواج العسكر يرتدون السواد في وسط المدينه فوجدت الجمال يختنق ؛
حاصرت شوارعنا أكوام القمامة ففهمت أن الجمال يعادي الوسخ ؛
جلست لأقرأ في كتاب الرب فاكتشفت الجمال يقطن دخائلي ؛
اصطدمت عيناي بغراب ينعق في السماء فعرفت أن الجمال لا يعني العلو ؛
علموني صغيرا أن القمر كيان معتم فعرفت أن الجمال ليس دائما حقيقيا ؛
اشتقت يوما لوجه حبيبة ماتت فاكتشفت أن الجمال يرسم علي لوحة الهواء أمام عيني ؛
وعندما صار جسدي أطول من عكاز جدي ورأسي في استدارتها اكبر من كرة اللعب بحثت عن مذاق قوالب السكر في فمي فلم أجد ؛
فأدركت أني في وطن لا يحتفظ بالجمال


مراد ماهر