
أحيانا يصادفنا في الحياة شخوص لا هم وهم ولا هم حقيقة ,أطياف تجود بهم السماء فتمطرها رغم انتصاف الشمس لصفحة النقاء , فتستقر تماما علي أعتاب محيطنا .
أحيانا نراها وأحيانا يخفيها عنا الحاقدون أعداء الشمس والسماء , وأحيانا أخري نراها بعد أن تيأس السماء فتبتلع الشمس وتندب القمر لينير غفلتنا .
رغما عن كل شئ , ورغما عن حتمية الفقد والفراق يبقي الجمال كامنا في ذاكرتنا يتحين بزوغ شمس جديدة في أحضان صفحة جديدة لصبح جديد , شمس تحمل من الجرأة ما يدفعها ويعينها علي اعادة الروح لمكمن الجمال فينا .
والجمال في دنيانا منحة من الرب , ولأن الجمال لم يغنم يوما صفة الخلود , فصار في أيامنا وقتيا مرهونا بقدرتنا علي استيعابه .
شئ ما يفزعني ويخيفني ,,,
الجمال علي الأرض لا يبقى جميلا دائما , لأنه وببساطة لا يمتلك مقومات الكمال ,
الكمال للرب , والجمال هبة الرب علي الأرض , وخلود الصفات مرهون بالكمال , فتنحي الجمال طائعا ليختلف في عيون ناظريه ,
فليست كل العيون بمقدورها تقدير الجمال أو حتي رؤيته .
فصار ما صار حلا عبقريا حتي لا يتحول الجمال يوما الي قبح , فقط يختلف في عيون الناس .
جدتي كانت ترد علي أي انسان يثني علي شئ لها بان عيونه هي الجميلة لا شيئها .
فعرفت أن الجمال علي الأرض ليس الا خلقا نصوغه في دخائلنا .
والشخوص في حياتنا كثمرة الرمان , ليست كلها تستاغ , ولكن لكثرة حباتها فنحن نتعامل معها كوحدة واحدة ,
والثمرة ان كانت في ظاهرها رائعة ,فقد نتهيأ تماما وبلا تفكير في قبول ما حوت .
والشخوص في حياتنا كعلبة الألوان ربما لا نستطيع تقبل كل ألوانها في كل وقت وربما انحزنا للون دون آخر , لكنا لا نستطيع أن نلقي بواحد منهم أو اثنين بعيدا عن تناول أيادينا الي الأبد .
سنشعر حتما بالقصور , بالعجز أحيانا , بالحنين حتي الي الشر او القبح او الطعم الردئ .
ومع كل اكتساب أو فقد يتجدد بداخلي سؤال بحجم الأمل وفي قامة الندم ,
هل بتتابع الوجوه داخل اطار انتباهي أكتسب التجربة ؟ الفرحة أحيانا ؟ الحزن بعض الوقت ؟, هل بتتابع اللقاء والفراق تتشكل أحشاء الحياة ؟.
ربما , لكن تبقي دائما حقيقة تهدد كيان الجمال وتدعم مبدأ الانتقاص فيه ,
لا جمال يدوم ولا حبيب يبقي حبيبا ولا رفيق يستمر علي الدرب رفيقا , دائما يبرز الشر .
ومن ينجو بجميله أو بجماله من الشر وجنده يصطدم حتما بالموت .
فيموت الجمال أحيانا ليفسح قطعا من الحياة لجمال جديد يهوى مع ناظريه فعل الكمال فيه الي أن يصطدم بقدر سابقه .
مهلا ؛
سأكف عن المراوغة والتنزه بالكلمات ,
وسأطلق ذلك التساؤل الذي سمعته صغيرا من معلمتي والتي كانت لي حينها في قامة عظماء الدنيا وحاملة لغزارة علمها .
قالت لصفنا يوما بينما هي عاكفة علي قطف أعواد نبات الملوخيه :
" هوه امتي نقدر نقول علي أي حاجه انها جميله ؟ " ,
للتأريخ ؛؛؛
كانت لحظتها تنظر لأعواد الملوخيه المنتقاه بمزيج من الامتنان والحب .
زملاء الصف كالعاده لا يلتفتون اليها الا اذا كانت تحمل عصاها ,
الآن الكل يعلم أنها منهمكة في تجهيز الغذاء لزوجها , بينما بعثت بفرقة انتحاريه مؤلفة من خمسة من بنات الصف لتنظيف منزلها لحين انتهاء مواعيد الدراسة .
قليلون ممن يهتمون فعليا بالعلام فتحوا خلسة كتاب القراءة ليجدوا اجابة فلم يهتدوا , فانتقلوا لكتاب الأنشطه فلم يهتدوا فلجأوا لكتاب الدين فلم يعثروا علي سؤال شبيه ولا اجابة تحمل كلمة من بنية السؤال وكيانه ,
المضحك أنهم انتقلوا يائسين لكتاب الحساب بحثا عن اجابة لسؤال لم يتعلموا حروفه من قبل .
لكني تنبهت الي أن معلمتي الجليلة لم تكن بالفعل تنتظر اجابة أحدنا ,
معلمتنا من الأساس كانت تخاطب أعواد الملوخية في محاولة لتحديد مدي قدرتها علي انتقاء الجيد من ثمارها .
لكني كما تعرفون ولست أظنكم تعرفون , لا أهادن في العلم , ولا أتواطؤ متغاضيا عن استنباط الجديد .
رفعت بقلمي فوق رأسي طالبا الإذن بالحديث ؛؛؛
معلمتي لم تنتبه ؛ مازالت غارقة في لقائها بوريقاتها الخضراء ؛
فوقفت مخاطبا من صنفتهم وثائق الميلاد في سن عقلي ؛
" الجمال ؛ في قوالب السكر " ؛
وعندما اصطدمت لحظتها بعصا عقاب معلمتي عرفت أن الجمال ضد العصا ؛
وحينما عاقبتني أمي يوما بتجويعي عرفت أن الجمال عكس الجوع ؛
رسبت في الثانويه فعرفت أن الجمال خلاف الفشل ؛
هجرتني فتاتي في الجامعه فعرفت أن الجمال ليس يعني الفراق ؛
ماتت جدتي ففطنت أن الجمال لا يضيع مع الفقد ؛
صفعني شرطي علي مؤخرة رأسي فأدركت أن الجمال ليس يحب الظلم ؛
رصدت عجوزا تحتضر من قسوة برد ليل شتاء جائع فشعرت أن الجمال لا يعرف الفقر ؛
وعندما دققت النظر في وجه أمي تشبثت بملامح الجمال ؛
و لمحت دموعها يوم زفاف أختي فأيقنت أن الجمال يعشق الدموع ؛
أبصرت ضحكتها في وجه حفيدها الأول فتنبهت أنه أيضا يعشق الضحك؛
اختلست النظر لأفواج العسكر يرتدون السواد في وسط المدينه فوجدت الجمال يختنق ؛
حاصرت شوارعنا أكوام القمامة ففهمت أن الجمال يعادي الوسخ ؛
جلست لأقرأ في كتاب الرب فاكتشفت الجمال يقطن دخائلي ؛
اصطدمت عيناي بغراب ينعق في السماء فعرفت أن الجمال لا يعني العلو ؛
علموني صغيرا أن القمر كيان معتم فعرفت أن الجمال ليس دائما حقيقيا ؛
اشتقت يوما لوجه حبيبة ماتت فاكتشفت أن الجمال يرسم علي لوحة الهواء أمام عيني ؛
وعندما صار جسدي أطول من عكاز جدي ورأسي في استدارتها اكبر من كرة اللعب بحثت عن مذاق قوالب السكر في فمي فلم أجد ؛
فأدركت أني في وطن لا يحتفظ بالجمال
مراد ماهر


0 commentaires:
Enregistrer un commentaire