كذبة بيضاء



سـأكتب .
كنت قد عزمت منذ وقت غير قليل علي الاقلاع عن هذا الأمر واعتزاله برمته .
كنت قد توصلت الي نتيجة هامة علي الأقل بالنسبة لي , مفادها أنه يمكنني احتمال الحياة بمعاييرها اللاآدمية , لكن لا يمكنني احتمال نيران تدّعي أنها جنان .
هربت من الاقلام , حتي أني لم أحمل في يدي واحدا طيلة ما مضي .
لم أقرب كتابا .
اعتزلت حاسوبي الخاص حتي لا أحتال علي الأمر .
ههههههههههههههه .
أسمع ضحكاتكم ..
عين أحدكم تصفعني بالعامية الواعية :
( طيب ما تبطل كتابة , يعني كنت حتجيب الديب من ديله يا خيّ ) .
تمهلوا ... ظننتكم قد اعتدتم احتمال شطط دماغ صديق يسعي وراء الجنون أو علي أقل تقدير يتمناه .
ما جعلني أعدل ولو مؤقتا عن موقفي أو قراري أني مررت بشأن جلل .
لم أجد بُدا من الافصاح عنه , وبطبيعة الحال فاني لا أستطيع البوح بطريقة أمثل من خط الكلمات .
فالكلمات عشقي والحروف متاهتي , والأفكار تفاصيل شرودي , والتأمل مداعبات تتواصل مع الطفل المختبئ بحدسي .
انها المتعة التي وهبها الله لعبده القليل حتي يخفف عنه عبئ العيش مع البشر.
أعود لأذكر حضراتكم , اني مررت بشأن جلل .
اني رأيت الموت ..........
نعم رأيته مارا من الجانب الشمالي الشرقي لغروب شمس الأمس .
لا ... لم يكن بشرا ,
... ولم يكن عفريتا ,
عفوا ؟
بالطبع رأيت العفاريت في حكايات ألف ليلة وليلة , لو كان عفريتا لعفرت ... أأسف .. أقصد .. لعرفت .
لا تسئلوني كيف كان ؟
قد كان كما كان , المهم أني ميزته وأدركت هويته .
لست أدري كيف ميزته , لم يكن مكتوبا علي خطوه حروف سوداء .
لكني لمحت في عينيه بريق انتصار خرافي علي الحزن .
لم أشهد نظرة شبيهة لنظرته من قبل .
لمحت علي الدروب ما بين عينيه وأفق وجهه آثار دموع ليست كدموعنا , آثارا قهرت أسباب الحزن فبات مقامها أشبه بالعرس البهيج .
لمحت غيابا للزمن علي تجاعيد وجهه .
وأيقنت عندما لمحني أن الأوان ربما قد حان .
وصرخت فيه بملئ الرعب :
يا موت ... مازالت قارورة حبري بكرا .
يا موت ... مازلت أحلم بالخلود علي السطور .
التفت عني قليلا حتي أختبئ .
حتي أحترف الحياة .
حتي أبحث عن حروف عبارة معزولة تجمع في قوامها سر الوجود وحكمة الفناء , حتي لو اضطررت لكتابتها بحبر الخفاء المؤجل لمستقبل التاريخ.
يا موت ... مازلت أبحث عن وجودي , أعكف علي ابداع لحن جديد لصراخ البعث .
مازالت رسالتي في جعبتي .
أمهلني حتي أودعها شرايين الكتب وعقل الادراك وذاكرة التاريخ .
أمهلني حتي أزرع حديقة بجوار ورقي , وأزين أزقة ما بين السطور .
يا موت ... لا تخبر أمي ان قبضتني .
بالله أرجع اختفائي أني كعادتي أهيم علي صعلكتي في بلاد بعيدة .
أخبرها اني ارتحلت بحثا عن جنون لا يشبه جنون المجانين , وعن عبقرية ليست تتودد الي الذكاء , وعن أسطورة أكون بطلها بعد مئات السنين .
أخبرها أني لست موهوما ولست كاذبا ولست عاقا ولست جاحدا .
بالله أخبرها أني قد تزوجت حتي تطمئن وتستريح .
قل لها أيضا أني قد أنجبت طفلا , وسيما , رقيقا , حنونا , لعينيه بريق عيون جدته وطيبتها .
وقل لها أني أسميته عمر .
لا تقلق , ستصدقك ... انها تعرف أني أحب بن عبدالعزيز .
أخبرها اني تلقيته من رحم أمه قطعة لحم تشكلت من فورها , وشممت علي بدنه عطر الجنة ولمحت بداخل عينيه ثمارها .
طمأنها أني لقنته الشهادتين وأذنت في أذنه , ثم همست فيه بملئ الحب " كن حرا " .
يا موت لو سألتك أمي عن وليدي , قل لها تجديه في صورتي رضيعا .
يا موت , لا تنزعج ...
.............. انها كذبة بيضاء ............ .
يا موت ... تريث قليلا , أمهلني حتي أنهي علي مسمعك وصيتي , فليس أمامي الآن سواك .
يا موت لو قابلت وطني بعد رحيلي , أخبره أني لم أكرهه وأخبره أني لم أحبه وأخبره أن يختصم منك لأنك لم تمهلني حتي أتم رسالتي نحوه .
أخبره أني أردت له الخير وأراد لنفسه الخراب ...
قل له اني قد رحلت غير آسفا عليه , ربما لتيقني أنه غير آسف علي رحيل أحد .
انصحه علي لساني بأن يحتاط ممن يمجدون تأقزمه , هم لا يمجدون سوي بقائهم , لأنهم لن يكونوا حقيقيون ان اعتدل نصاب الأمر .
لا تنزعج , وطني كسيح مريض عقيم , لن يؤذيك علي أي حال .
يا موت , هل يأتي يوم تقبض فيه الأوطان ؟
أم أن الأوطان لا تملك أرواحا ولا مشاعر حتي تستحق الفناء .
لكن .. تمهل ... لن أكمل عليك وصيتي .
يا موت ... قررت من زمن أن أسألك حين ألقاك ..
هل كنت موجودا عند ولادتي ؟
أعني هل لك علاقة بالأمر ؟
كيف كانت صرختي ؟
هل كانت تشبه كل الصرخات , أم كانت لي بصمتي عليها ؟
حدثني عني قبل الموت الأول .
أخبرني عن طباعي في العدم .
حدثني عن الأبدية ,
هيئني لفراق الجسد .
هل سأعرفني بعد الموت ؟
هل سأقابل حبيبتي هناك يوما ؟
أم أن الأمور تتبدل , فلا عدو ولا حبيب ؟
هل أدباء ما بعد الموت يختلفون عن غيرهم ؟
هل يتناحرون كعادتهم ويمكرون كعادتتهم ويتسلقون ويكذبون ويسرقون كعادتهم ؟
يا موت أخبرني .
من حقي أن أحدد ملامح الروح قبل الوداع , وملامحها مع اللاحياة , ومع اللاموت .
الموت يبتسم متجاهلا ...
يلتفت عني لامباليا .
أراه يقترب من امرأة تحتضن صغيرها علي قارعة الخيال .
أهتف فيه مستوقفا ..
لا ... لا ... لا تقبضها , يا موت ارحم صغيرها , ليس له سواها .
والموت يلتفت لي مرة أخري دون تغير في تجاعيد ملمحه المزاجي .
لحظة أو لحظتين من عمر العمر , أسمع بعدها صراخ الأم حزنا وشفقة علي وليدها .
يا موت ... يا موت .... ماذا دهاك ؟
أتقبض روح الصغير ؟
ارفق بأمه , ارفق بعمر لم يري عمرا .
مشهد الأم مروعا الي حد الفزع .
أكتشف ساعتها أن جنازات الناس عرس الموت وفخاره .
أنه يسير في الجنازات بين الناس ليس معزيا بل كعجوز يتاجر في سوق الترقب والانتظار .
يتاجر بلا ربحية في أرواح البشر .
الموت لا يبتسم ولا يحزن , لكنه دائما جاد الي حد الصخب الساكن .
صحت بملئ الحزن :
يا موت ...
بالله أخبر أمي أني لن أموت ..
...................... انها كذبة بيضاء ..............

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire