رسالة الي عقلة الأصبع



أبدأ رسالتي بالتحية ....


ولست أعرف هل أناديكي بفتاتي , أم حبيتي , أم بسيدتي , أم صغيرتي , أم بزميلتي , أم معلمتي ؟
دعيني أبدأ الخطاب بشئ مغاير ...

يا فاتنة الخيال ........
صباح الخير ....

هل تدركين لماذا أحييكي بتحية الصباح ؟
نعم , لأننا اعتدنا صغارا أن نلتقي مع نسمات النهار الرضيع ,
اعتدت أن أجالسك علي مقعد الدرس في صبح الشتاء مختبئا من برده هامسا بالنفخ في تجمد أصابعي كي تلتحف بجيوب المريلة .
مستمتعا بدخان غريب يخرج مع زفيري وعند الكلام .
كنا نظنه عطر السحاب , كنا نظنه أنفاسك بداخلنا , كنا نحتاج اليه حتي نشعر أننا أطفال .

يا فاتنة الخيال ...

كيف أنت الآن ؟, كيف صار وجهك ؟ , حجمك ؟ , صبحك ؟
هل مازلت هناك .. تختبئين وراء الأقلام ؟
تعبثين بعقولنا حتي نتوهم أننا عمالقة في زمن كنا نوقن فيه بأن العملاق الأوحد هو من يستطيع الوصول بأصابعه الي ناقوس انتهاء الدرس ؟
ماذا فعلت بك الأيام ؟
هل صرتِ الآن طبيبة بين الأقزام ؟
أم أصبحت معلمة تمسك لتلاميذها عصا العلام .
أتمني ألا تكوني الآن من بين عسكركم , فحتما سأكره امتهانك للسواد .
أتمناك اليوم أما أنجبت في بيتها عشرات من صغار فاتني الخيال .
علي كل حال ... أعرف يقينا أنك ستدهشين لرسالتي , وربما .. ربما لن تتذكريني تحديدا .
ولكني أعتقد أن حروف اسمي وملامح وجهي لن يكونا فارقين الي حد بعيد , فأنا أعلم جيدا أنك تألفين لآلاف الآلاف من مثلي .
ولست أعرف من أين أتاني يقين بانك سعيدة الآن وأنت تقرأين رسالتي ,
وبأنك سوف تلقين علي فراغ ما بين سطوري أسئلة متلاحقة متسارعة عن تحديد هويتي وفي أي مقعد كانت تجلس حقيبتي ,
وهل كنت من التلاميذ الماهرين أم كنت من البلداء الذين كانوا يتجاهلونك فور العودة لمنازلهم بعد انتهاء الدرس وربما أيضا خلال الدرس .
سوف أخبرك كي لا تحارين كثيرا .

أنا هو ....

نعم ... النبي الصغير .. الذي عرفتِ معه ذات ليله بأن زمانه بلا أنبياء فحزنت معه .

أنا هو ....

ذلك التلميذ البدين الذي كان يقف كل صباح شامخا مزهوا أمام مكبر الصوت ليقدم الاذاعة المدرسية ويحيي العلم .
من كان يدعوا الله كل صباح بألا تمطر السماء حتي لا تغرق ساحة الطابور فيلغي ناظر المدرسة طابور الصبح بما فيه من اذاعة وتحية .
لم يكن ليقبل أن يعدوا علي عمره صبح محروم من مصافحة الوطن .
نعم ...

أنا هو ...
ذلك الذي كنت ترافقيه كل يوم بعد انتهاء الدرس الي منزله , يواريكي في حقيبته الصغيرة .
واذا تصادف وفضت أمه ما بالحقيبة لتري ما اذا كان قد التهم كل طعامه , خبئك هناك , في صفحة أو أكثر من صفحات كتاب المطالعة .
فأمه لم تكن لتفتش عن الطعام داخل الصفحات .
أظنك قد عرفتيني الآن .......... ولو قليلا ...
حتي ولو لم تسعفك ذاكرتك الصغيرة قياسا بحجم الدهر , فاني أري أن الولوج مباشرة في فحوي الرسالة والذي هو سبب ارسالها أجدي بكثير من العبث مع التذكر والذاكرة
.
أولأ :

أردت أن أنقل لك امتناني وتقديري وعرفاني بجميل صنعك في تكوين خيالي .
أردت أن أثبت لنفسي حتي بعد مرور كل هذا الردح من الفراق أني أصيل لا أنكر فضل متفضل ولا أثر أو تأثير مؤثر علي مجريات أيامي وتكوين الاطار الراهن الذي يسعفني في ملاحقة أحداثها .
قد كنت لي أكثر من مجرد فكرة , أجدي من مجرد صديقة , أكثر قيمة من مجرد معلمه .
حملتك في عيني لسنوات , توجهين خطاي الي حيث العوالم التي لا يطرقها البشر .
بدأتِ معي مثلما بدأتِ مع من هم في مثل سني ,
بالمروج وبالشوارع والسهول وبالسحاب وممالك العسل وبالكتاب وبالورود .
بعدها دفعتيني دفعا لأن أتأقزم حينا حتي أنتبه لما لا ينتبه له الصغار في اعتيادية جماجمهم ,
لأن أتعملق حينا لأستوعب تماما أن أحجامنا نسبية في لقاء محيطنا ,وأن القزم ليس قزما علي اطلاقه , وأن العملاق كذلك .
أن في دنيانا جحورا أكثر براحا من فضاءات البعض , و بأيامنا سماوات أضيق بكثير من سَم الخياط .
دفعتيني لأن أنظرني بعيدا عن تقاليد عيون الناس ...
أن أراني ملكا علي من يستعمر الصولجان , وعبدا ذليلا لمن وهب الحياة سرها وللانسان عقل ببراحٍ لا تحتويه الدنا .
صرت أنظر للأشياء بمجهر لست أدري كيف امتلكته مقلتاي ,والي أخري بعدسات تُعملِق من
كنتِ لي سببا في رفضي التسليم دائما بالفكر الواحد , وبالنظرة الواحدة , وبأي مما يظنه الناس ثوابت .
ليس في دنيانا ثوابت , وليس علي سطحها أو في سمائها أو من أسفل أرضها شيئًا أو كائنا أو ظاهرة أو ملمحا نستطيع أن ندركه يقينا بمحمل وحيد , تستوعبه حفنة من الكلمات زادت في عددها أو اقتصدت .

ثانيا :.

أردت أن أخبرك بتفاصيل درس تعلمته من ذكراك بعد سنوات من فراقك .
لقد تعلمت يقينا أن الخيال اللامنطقي هو أقرب الحلول الي الواقع .
لقد علمتينا صغارا أن وطنك في حجم مدي ابصارك أو تأثيرك ,
لم تحتاجي لبحر أو لنهر أو تلال من رمال , لم تبحثي عن معدن أو زيت حتي تنتمي لبقعة .
كانت عقولنا وطنك , وبسمتنا ثروتك , وجنوح خيالنا مع نزواتك هدف وحياة .
ربما كنت من دون قصد تدركين ماهية الوطن , ولكنا لم نتعلمه منك حينها , لأننا وببساطة لم نكن ندرك أن معني الكلمة من الممكن أن يتعدي حدود التحية والنشيد أمام الراية , بل من الممكن التخلي عنهما من الأساس لقاء العثور علي المعني الكامن في سراديب الجوهر.
ربما رسالتي الآن تحديدا ليست لشكرك بشأن ما سبق بقدر ما تحمل أسئلة مباشرة لا تحتمل تأجيل أو اعتذار عن الاجتهاد في الرد عليها.
كيف كنا ؟
مهلا ... أعني كيف كنا في عينيكِ .
عمالقة ؟
أم كنا نتاجا لأقزمة الفكر والأسس وسبل العيش ؟
هل كنتِ تخافينا ؟ , هل كنا نُفزع أحلامك فنحول شَعرها الي جنوح الكوابيس الغير ممشطه ؟
هل آذيناك بمحدودية فهمنا للتباين ؟
هل كنتِ تعرفين يقينا قدر الفراق ؟
هل أنت مصرية ؟
عربية ؟
انسية ؟
جنية ؟
هل أنت واقع ؟
خيال ؟
هل وعدك أحدهم قبلا بصنف من صنوف الخلود .
أين أنت ؟ نعم ... أين أنت ؟
هل تسلمتِ خطابي بالفعل أم أني أهيم وراء سراب و أفتعل الواقعية علي جدران الجنون ؟
سأنتظرك ...
ربما تصطحبين مع طلتك نسمات صبح بريئ , وأمل في قامة وشموخ المستقبل عند من ورثوا ذهب التاريخ وأطيانه ,
ربما تصطحبين مع امتداد براح الرؤية والأثر وجه في جمال الوطن أو وطن في وسامة وجه الجمال .
سأنتظر خطابا منك مذيلا بتوقيع لا أفهمه ... حتي أتيقن أني مازلت مجنونا .

تحياتي وتقديري ....



مراد ماهر

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire