سلك شايك


(1) مذكِّرات ما بعد الموت

ضحكة صاخبة حلّقت في سماء غرفة نوم أمي فاصطدمت بصراخ عنيف ينبعث من جهاز صغير عالق في حلقي يدخل الخدمة لتوّه، فتفتتت لى ابتسامات تلوّنت بخطوط متباينة على شفاه كل من اصطفّ تأهبًا لاستقبالي.

هكذا بدأت حكايتي معهم.

حكايتي معهم هي حياتي بينما حكايتهم معي جزء من حياتهم،قد نتبادل المساحات في بعض الأحداث، لكن بمجرَّد اختفاء أثرها تعود الحروف إلى استقامة السطور.

حتى الآن لم أعثر على سبب يقنعني بابتساماتهم. أمي أخبرتني أن أبي لم يكُن في استقبالي، كان مغتربًا يتفرغ في وضع أساسات لمستقبلي. تساءلت بشغف كيف كان ليستقبلني حال وجوده!

في صبيحة وصولي تجمّع غيرُ قليلٍ من العمالقة. يقتحمون عليّ محطة وصولي، ارتسمت على وجوههم ابتسامات تشبه سابقاتها لكنها كانت أكثر شرًّا.

وجدتهم يدسّون لفافات من ورق ملون ونطفًا من معدن أصفر بين ثنايا ملابسي.

لم أكُن فرِحًا، كما لم أشعر بحاجة إلى الصراخ، فكل ما حولي لا يعنيني كثيرًا، فقط يكفيني أن أمي لا تفارقني.

أعرف أنها تحتضن كل ذكريات حياتي في أعماقها. لم أكُن سعيدًا بحاضري ولم أحاول أن أحب الغرباء. لجأت في الأيام التالية إلى الهروب من نور يُولَد فيأتي معه الغرباء، فكنت أعمد إلى إغلاق مصراعَي عيوني حتى أتلصّص ذكريات العالَم الآخر.

توهَّموا أني أنام بالنهار.

ما زلت أذكر النشأة، شبابي، اتّضاح معالمي ونوعي وظهور الأعواد الصلبة تحت اللحم الأحمر. أذكر شيخوختي وتبدُّل حالي رأسًا على عقب، أتحسّر على حرّيتي التي صاغتها وحدتي، ما زلت أذكر جنازتي التي لم يشيّعها سواي ولم يشاركني فيها إلاّ آلام أمي وصرخاتها، فبرحتُ دنياي باكيًا على موتي أو حزينًا لانقضاء حياتي.

كيف لهم أن يبتسموا في مشهد كهذا؟!

وعلى الرغم من أني عُمّرت في حياتي الفانية ما يدنو من نصف مليون دقيقة إلا أنى شعرت في اليوم الرابع لوفاتي أني ما عدت أذكر الكثير عن حياة ما قبل الموت، فبدأت أُقِلُّ من إغماض عينَيّ، ووجدتني لا أطيق الابتعاد عن جدار فصلني عن العالَم الذي احتواني، فكنت أفتعل الصراخ حين تبعدني أمي عن صدرها.

كانت الفجوة بيني وبين سكان القبر واسعة وتتسع، لكني اقتنعت بواجبيّة حدّ الاتّساع، حتى إنّني عندما لمحت أصابع أمي الكبيرة تقبض على قلم وورقة وجدتني ابتسم فصاحت تخبر كل الغرباء أني اعرفها وأضحك لوجهها، فلم أشأ أن أُحبِط نشوتها فاكتفيت بالاقتضاب.

في اليوم الخامس فوجئت بأمي تقلّل التصاقي بها وتزيد من لحظات الفراق، فازدادت فترات صراخي، خُيّل إلى الغرباء أني بهجرها أجوع. اكتشفت أني لم أعُد أتذكر الكثير فشعرت بإحساس آخر للوحدة لم أعهده قبل الموت، يومها قرّرت أن أتعامل مع واقعي كحقيقة قد تستمرّ لملايين من دقائق قادمة.

استرحتُ دماغيًا بعض الشيء، فالغرباء قد تقلّصوا ولم يعُد هناك المزيد من الأوراق والمعادن توضع بين ثنايا كفني، ليلتها نمت كما لم أنَم منذ فارقت الحياة.

في اليوم التالي زارنا غريب يطمئنّ على حالي. كنت أشعر أني قابلته من قبل، بعد دقائق تنبّهت إلى أنه الحانوتي الذي امتدّت أصابعه لتقطع صلتي بحياتي وتُدخِلني أجواء القبور. كان يتحدث إليّ بلغة لا أفهمها، لكني كنت أفهم أمي، لا أعرف كيف، لكني أعرف أنه ليس بالضرورة أن تتحدث لغة من يخاطبك حتى تفهمه.

أحيانًا تلعب العيون دور مترجم صامت فقط حينما تتقارب الأرواح.

أخبرتني عيون أمّي أن أبي سيحلّ غدًا لرؤيتي، فعدت أتساءل:

"كيف حاله حين استقبالي؟"

نمت ليلتها دون التفكير أو حتى محاولة تذكُّر أي شيء عن حياتي الفانية. فقط أترقّب لقاء الغد، نِمت دون التمهيد اليومي الصارخ.

اليوم السابع،

استيقظت على حركات غير عاديّة ساعات وصرت محاطًا بعشرات من عمالقة الغرباء وأكثر من صغارهم. ضجيج وغناء، مِلْح، دَقّ، أكل... وتعملقت الابتسامات مبتكِرةً

ضحكات تزيّف ما تخفيه

ضحكاتهم اصطدمت بوقع أقدام الرجل الوافد، وساد الصمت...

لمحت ماهيته من فرحة أمي ولهفتها، صرخت تمامًا كلحظة وفاتي حتى أَهَبَهُ حقَّه في أن يستقبلني، فلمحت بريقًا في عينيه ودمعة تقترب من شفتيه، وفاجأني...

ابتسم إليّ في وجه أمي، وقبّلني على خدّها، فحجبت صراخي.

هم كل حياتي وأنا جزء من حياتهم...

مراد ماهر

مقتطف من .."سلك شايك"

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire